الملاحظات الافتتاحية التي أدلى بها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في الاجتماع الثالث والأربعين للجنة البرنامج والميزانية والإدارة التابعة للمجلس التنفيذي يوم 28 كانون الثاني/ يناير 2026

28 كانون الثاني/يناير 2026

الرئيس، الدكتور آسبكت ماونغانيدزه،

نائب الرئيس، الدكتور علي حاجي آدم أبو بكر،

الأعضاء الكرام للجنة البرنامج والميزانية والإدارة،

الزميلات والزملاء والصديقات والأصدقاء الأعزاء،

عمتم صباحاً ومرحباً بكم من جديد في المنظمة، وأرى أنني ما زلت أستطيع أن أهنئكم جميعاً بمناسبة حلول العام الجديد لأننا ما زلنا في شهر كانون الثاني/ يناير!

وأعرب كذلك عن ترحيبي الخاص بالأعضاء الجدد في لجنة البرنامج والميزانية والإدارة من كل من مصر ونيبال وبنما وبولندا وإسبانيا وزمبابوي.

وشكراً لكم جميعاً على التزامكم بعمل هذه اللجنة وبعمل منظمتكم منظمة الصحة العالمية.

فقد بات عمل هذه اللجنة الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومثلما تعلمون، فقد كان العام الماضي من أصعب الأعوام في تاريخ المنظمة.

وقد اضطلعنا خلال الاثني عشر شهراً الماضية بعملية مؤلمة ولكنها ضرورية بشأن ترتيب الأولويات وإعادة التنظيم.

وواجهنا بسبب التخفيضات المشهودة في تمويل المنظمة فجوة كبيرة في تمويل الثنائية 2024–2025.

على أنه بفضل حنكة المنظمة فيما يخص الشؤون المالية خلال السنوات الأخيرة، فقد أُتيحت أمامنا فرصة اتباع نهج استراتيجي دقيق لتقليل أثر هذه التخفيضات إلى أدنى حد وحماية عملنا الأساسي.

وكنتم في اجتماعكم هذا قبل عام قد نظرتم في الميزانية المقترحة للثنائية 2026–2027 بقيمة 5,3 مليار دولار أمريكي.

ومن ثم خفض المجلس التنفيذي مبلغها إلى 4,9 مليار دولار أمريكي.

ورغم أن مبلغها بدا واقعياً في ذلك الوقت، فإن التوقعات بشأن المساعدات الدولية استمرت في التدهور، لذا فقد اقترحت في آذار/ مارس تخفيضا إضافياً ليصبح المبلغ 4,2 مليار دولار أمريكي، وهو ما وافقت عليه جمعية الصحة العالمية في أيار/ مايو.

وحرصاً على حماية عمل المنظمة الأساسي ضمن حدود ميزانيتنا المخفضة، فقد شرعنا في الاضطلاع بعملية لترتيب الأولويات لأجل تحديد الوظائف الأهم بما يتماشى مع برنامج العمل العام الرابع عشر.

وتمخضت العملية عن تشكيل هياكل جديدة مبسطة ومتناسقة على مستويات المنظمة الثلاثة ككل.

وقمنا بدمج الإدارات والأقسام ونقل بعض الوظائف وتقليل عدد أعضاء فريق القيادة العليا في المقر الرئيسي إلى النصف وكذلك عدد المديرين عموماً إلى النصف تقريباً.

ومن ثم خصّصت ميزانية محددة لكل مكتب، وطُلب إلى كل واحد من المكاتب تحديد هيكل مستدام يتناسب مع هذه الميزانية، وذلك وفقاً لحصيلة عملية ترتيب الأولويات.

وبمجرد الانتهاء من العملية، قدم كل مكتب توصيات بشأن الموظفين الذين ينبغي تثبيتهم أو مطابقتهم في الوظائف المتاحة.

وتولت لجان الاستعراض المخصّصة، التي ضمت في عضويتها ممثلاً عن رابطة الموظفين في منظمتنا، استعراض تلك التوصيات ووافقت عليها بنهاية المطاف.

ورغم وجود بعض المسائل التي ما زال يلزم حسمها، فقد أتممنا الآن إلى حد كبير عملية ترتيب الأولويات وإعادة التنظيم.

وبلغنا مرحلة الاستقرار ونحن ماضون قدماً في هذا السبيل.

كما حرصنا بشكل كبير على تحقيق التوازن بين الجنسين والتمثيل الإقليمي، وأصبحت قوتنا العاملة العالمية الآن أصغر سناً بقليل ممّا كانت عليه.

وبإمكانكم أن تتصوروا كم كانت هذه العملية صعبة ومؤلمة، ولكننا نرى أنها مكنت منظمتنا من التمتع بوضع يؤهلها للنجاح في المستقبل والاستعداد لمواجهة مقتضياته.

وعليه أود أن أعرب عن امتناني العميق لجميع الموظفين الذين غادروا المنظمة أو سيغادرونها على خدمتهم لها وتفانيهم في العمل من أجلها، وأتمنى لهم النجاح الباهر في المرحلة القادمة من حياتهم ومسيرتهم المهنية – كما أود أن أعرب عن استعدادنا للاستفادة من كفاءات الموظفين بفضل مبادرة اجتذاب المواهب التي دشنناها.

وبطبيعة الحال لا توجد عملية مثالية، ونحن نعترف بالشواغل المشروعة التي أثارها بعض الموظفين بشأن العملية.

كما أننا نأخذ تلك الشواغل على محمل الجد، وقد عالجنا الكثير منها وما زلنا نواصل العمل على معالجتها.

واستندنا كذلك إلى مبادئ الشفافية والإنصاف والإنسانية في إعداد التغييرات التي أجريناها والإبلاغ بها وتنفيذها.

والأهم من ذلك كله أن التغييرات التي أجريناها في إطار الاضطلاع بعملية التحوّل على مدى السنوات الثماني المنصرمة أسهمت في تخفيف أثر الصدمة المشهودة في العام الماضي.

وحرصنا، أثناء شروعنا في الاضطلاع بعملية التحوّل في الثنائية 2017–2018، على تحديد مشكلة اعتماد المنظمة المفرط على عدد قليل من الجهات المانحة التقليدية على أنها خطورة كبيرة محيقة بالمنظمة، واتخذنا عدة إجراءات للتصدي لهذا الخطورة.

والأهم من ذلك كله أيضاً أننا اقترحنا خطة – أقرتها جمعية الصحة العالمية في عام 2022 – بشأن زيادة نسبة الاشتراكات المقدَّرة تدريجياً إلى 50٪ من الميزانية بعد أن كانت نسبتها مقصورة على 14٪ في ذلك الحين.

ووافقت الدول الأعضاء على الزيادة الأولى في أيار/ مايو 2023، وعلى الزيادة الثانية في العام الماضي، ومن المقرر الموافقة على الزيادات الثلاث المقبلة في أيار/ مايو من الأعوام 2027 و2029 و2031 على التوالي. وبذا يصبح مجموع الزيادات خمس زيادات؛ جرت الموافقةعلى زيادتين منها، وما زالت هناك ثلاث زيادات.

ولا يسعنا إلا أن نؤكد على أهمية هذا القرار بوصفه حلاً استراتيجياً طويل الأمد لتحقيق استقرار المنظمة واستدامة تمويلها واستقلاليتها.

وإضافة إلى ذلك، اتخذنا مجموعة خطوات أخرى لتوسيع نطاق قاعدة الجهات المانحة، ومنها إنشاء مؤسسة المنظمة، ونشر أولى مبرراتنا بشأن الاستثمار، وإجراء أول جولة استثمارية.

ولو لم نتخذ هذه الخطوات، لكنا الآن في وضع أسوأ بكثير مما نحن فيه، ولكن الزيادة التي وافقتم عليها في الاشتراكات المقدرة أسهمت في تقليل أثر ذلك إلى أدنى حد.

وتمثل هدفنا طوال مدة الاضطلاع بهذه العملية في حماية الوظائف الأساسية للمنظمة ومواءمة مواردنا المالية والبشرية مع تلك الوظائف، والعمل في الوقت نفسه على تقليل حالات إنهاء الخدمة إلى أقصى حد ممكن.

ولو أننا لم نتبع هذا النهج، لاضطررنا، بحسب تقديراتنا، إلى إنهاء خدمة 3000 زميل تقريباً من زملائنا في العالم.

ولكننا تمكنّا، عوضاً عن ذلك، من تقليل عدد حالات إنهاء الخدمة إلى 1241 حالة بفضل اتباع طريقتين رئيسيتين هما:

أولاً، لقد غادر المنظمة 1162 موظفاً أو أنهم سيغادرونها بسبب التقاعد المبكر الطوعي والتقاعد لأسباب طبيعية.

وثانياً، أسهمت زيادة الاشتراكات المقدرة في الحفاظ على 600 وظيفة تقريباً.

وما ذلك إلا دليل على أن القرار التاريخي المُتخذ بشأن زيادة الاشتراكات المقدرة كان قراراً صائباً، وأن على الدول الأعضاء أن تواصل اتباع هذا النهج – وتسلك الطريق نفسه.

فهو حل استراتيجي طويل الأمد من شأنه أن يزيد استقلالية المنظمة ويعزز تمويلها المستدام ويقلل احتمال تعرضها لصدمات مثل تلك التي شهدناها في العام الماضي.

فالأمر هنا لا يتعلق بزيادة الأموال، بل بتوفير تمويل مستدام ويمكن التنبؤ به يساعد على حماية المنظمة من التعرض للصدمات في المستقبل ويكفل استقلاليتها بوصفها منظمة محايدة وأساس عملها العلم – لتتمتع بذلك بحرية التعبير عن رأيها استناداً إلى البينات من دون خوف أو محاباة. وأعتقد أن هذا ما تريدونه لمنظمتكم أن تكون عليه.

وبفضل زيادة الاشتراكات المقدرة والاضطلاع بالجولة الاستثمارية وجهود العمل الدؤوبة التي تبذلها فرقنا وسخاء الدول الأعضاء والجهات المانحة الأخرى، فقد تمكنا الآن من تعبئة نسبة 85 بالمائة من الموارد التي تلزمنا للميزانية الأساسية في هذه الثنائية.

فمن ناحية، نحن في وضع أفضل من أي وقت مضى في هذه المرحلة من الثنائية.

ولكن نظراً لأن معظم المساهمات الطوعية ما زالت مخصّصة، فإن هناك مجالات عمل عديدة ما زالت منقوصة التمويل، مثل جهود التأهب لمواجهة الطوارئ ومقاومة مضادات الميكروبات وتمويل الصحة والقدرة على الصمود في وجه تغير المناخ ومحددات الصحة وعوامل الخطر.

ورغم أن نسبة 85 في المائة تبدو جيدة – وهي فعلاً كذلك – فإن الوضع الفعلي صعب جداً، وسيكون من الصعب تعبئة النسبة المتبقية البالغة 15 في المائة، لأن هذه النسبة تعادل مبلغ 660 مليون دولار أمريكي، مثلما ستسمعون في العروض التي سيقدمها زملائي.

لذا نناشد جميع الجهات المانحة على ألا تكفل تزويد المنظمة بما يلزمها من تمويل كاف فحسب، بل أن تكفل أيضاً جودة تمويل المنظمة لتمكينها من تحقيق الأولويات المحددة في برنامج العمل العام الرابع عشر.

ورغم أننا واجهنا أزمة كبيرة في العام الماضي، فقد اعتبرناها أيضاً فرصة متاحة أمامنا، لأن الأزمات، مثلما تعلمون، تكشف الحقائق.

فقد مثلت فرصة لزيادة كفاءة المنظمة وتمكينها من زيادة تركيزها على مهمتها وولايتها الأساسية، بما يشمل قيامها بذلك في سياق تنفيذ مبادرة إصلاح الأمم المتحدة في ذكرى تأسيسها الثمانين.

وأحدثت عملية التحوّل التي شهدناها فرقاً كبيراً فعلياً في توفير التمويل المستدام وزيادة تركيزنا على البلدان، ولكن التغيير بالنسبة لنا هو من الثوابت الراسخة.

وبنهاية المطاف، فإن احتياجات البلدان التي نقوم على خدمتها هي احتياجات آخذة في التطور دوماً، لذا يجب أن تواصل المنظمة تطورها أيضاً هي الأخرى.

وإن التحديات والفرص التي تواجهها البلدان اليوم – ابتداءً بتغير المناخ وانتهاءً بالذكاء الاصطناعي – تختلف كثيراً عن تلك التي واجهتها في عام 1948، أو حتى في عام 1998.

ويعني ذلك تركيزنا على مهمتنا الأساسية وميزتنا النسبية، وإنجاز ما نجيد إنجازه من عمل – ودعم البلدان بفضل عملنا في مجالي وضع المعايير وتقديم المساعدة التقنية – وترك الأعمال الأخرى التي يجيد الآخرون إنجازها.

لذا أرى أن منظمتنا ستكون في المستقبل منظمة تتسم بالمزيد من المرونة بل والمزيد من التركيز والكفاءة والملاءمة للغرض الذي أُنشئت لأجله: لتكون بذلك منظمة محمية الاستقلالية ومضمونة التمويل، وتكون أيضاً أقل عرضة للصدمات الناجمة عن التغيرات الجيوسياسية المستمرة.

وهو ما سعت إلى تحقيقه تحديداً عملية ترتيب الأولويات التي اضطلعنا بها بناءً على ما تحقق من إنجازات بفضل عملية التحوّل التي استهليناها في الثنائية 2017–2018.

وأنا فخور بأننا قد تمكّنا طوال العام الماضي من مواصلة تنفيذ مهمتنا وولايتنا في مجال تعزيز صحة شعوب العالم وتوفيرها لهم وحمايتها، والاضطلاع في الوقت نفسه بعملية ترتيب الأولويات وإعادة التنظيم.

ومثلما تعلمون، فإن تخفيضات التمويل أثرت أيضاً على العديد من الوكالات المتعددة الأطراف الأخرى داخل منظومة الأمم المتحدة وخارجها، وكذلك على الكثير من البلدان التي نقوم على خدمتها.

ولكننا نواصل أداء دور جوهري في تزويد تلك البلدان بالدعم اللازم للحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، والعمل في الوقت نفسه على اغتنام الفرصة المتاحة في الوقت الحاضر للانتقال من مرحلة الاعتماد على المعونة إلى مرحلة جديدة بشأن الاعتماد على الذات بشكل مستدام بالاستفادة من الموارد المحلية.

ونحن نتطلع إلى الاستمرار في تزويد جميع الدول الأعضاء في العام المقبل بالدعم اللازم للتصدي التحديات التي تواجهها واغتنام الفرص المتاحة أمامها.

فمرحلة التحوّل هذه ليست مقصورة على المنظمة فحسب، بل تطال النظام البيئي للصحة العالمية برمته.

وتُجرَى الآن مناقشات كثيرة حول إصلاح هذا النظام البيئي لضمان استفادة جميع الجهات الشريكة من ميزاتها النسبية، وتجنب التداخل والازدواجية، وتمكيننا معاً من إنجاز أعمال هامة وتحقيق نتائج ملموسة للبلدان التي نقوم على خدمتها.

ونحن نقترح جمع تلك المناقشات معاً في إطار الاضطلاع بعملية مشتركة تسهم في الانتقال إلى مرحلة يتمتع فيها النظام البيئي للصحة العالمية بمزيد من الكفاءة والقدرة على التعاون وإحداث الأثر اللازم.

كما أننا نتطلع إلى أن تزودوننا بنصائحكم وإرشاداتكم بشأن هذا الموضوع وبقية بنود جدول الأعمال المعروضة عليكم خلال هذا الأسبوع.

وأتوجه بآيات شكري مرة أخرى إلى أعضاء هذه اللجنة على التزامهم بعمل المنظمة وبإيجاد عالم ينعم بقدر أوفر من الصحة وقدر أكبر من الأمن والإنصاف.

وشكراً لكم.